الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

375

نفحات الولاية

الفتنة التي ذكرت في العبارة السابقة . وبصورة عامة فانّ مثل هؤلاء الأفراد إنّما ينشدون تعميق هوة الاختلافات وتشديها ليتسنى لهم تحقيق أطماعهم ومآربهم الخبيثة ، والحال لو علموا أنّ الصلح والسلام بين الناس إنّما يعود بالنفع على جميع الأفراد ، وليس هنالك من ينتفع بالنزاع والشقاق ، لما اتجهوا إلى مثل هذه الأمور . نعم ان هؤلاء الأفراد عمي عن مشاهدة الحقيقة فضلًا عن ادراكها . وقال عليه السلام في صفتهم الخامسة « قد سماه أشباه الناس عالماً وليس به » يبدو أنّ قوة الجاذبية التي تربط ذرات هذا العالم في الأرض والسماء بحيث يميل كل موجود وينجذب إلى شبهه ، فانّ هذه القوة تحكم هذه الفئات والأفراد أيضاً . وما أروع تعبيره عليه السلام عن أتباع من تشبه بالعلماء بأشباه الناس ، في إشارة واضحة إلى أنّ أشباه الناس هم خدمة أشباه العلماء . ومن البديهي أنّ شباهة هؤلاء بالناس كشباهة أئمتهم الجهال بالعلماء إنّما هي شباهة صورية ليس أكثر ، وغالباً ما يستعمل هذا التعبير بشأن الموارد ذات الشبه الصوري كقوله عليه السلام في الخطبة 27 من نهج البلاغة « يا أشباه الرجال ولا رجال » . وما أن فرغ الإمام عليه السلام من بيان صفاتهم حتى تطرق إلى جانب من أفعالهم القبيحة النابعة بصورة مباشرة من تلك الصفات ونقاط الضعف التي تحكم كيانهم ، فقال عليه السلام : « بكر « 1 » فاستكثر من جمع ؛ ما قل منه خير ممّا كثر » « 2 » . يمكن أن تكون هذه العبارة إشارة إلى الإمكانات المادية والدنيوية التي تؤدي كثرتها إلى الغفلة والتكبر والانهماك الدائم بالماديات والابتعاد عن المعنويات ؛ وغلباً ما يكون قليلها أفضل من كثيرها وأنّ الكفاف والعفاف أقرب إلى السعادة والفلاح من التكاثر والتفاخر . أو إشارة إلى فضول الكلام والمسائل العلمية التي لا طائل من وراءها على حساب الأصول والمبادئ وذهب البعض إلى أنّ المراد بها الآراء الباطلة والعقائد الفاسدة ، ولكن يبدو هذا الاحتمال مستبعداً ؛ لأنّ القليل من هذه الآراء والعقائد فيه الضرر

--> ( 1 ) « بكر » من مادة « » بكرة على وزن لقمة بمعنى أول النهار ثم أطلقت على كل بداية وانطلاقة ، وهى هنا إشارة إلى أنّ الجهال المتشبهين بالعلماء إنّما يلهثون خلف الأعمال العابثة من أول النهار حتى الليل . ( 2 ) يمكن أن تكون الجملة ( ما قل منه خير ممّا كثر ) صفة لجمع مفهومه : يجمع شيئاً قليله خير من كثيره ، كما قيل يمكن أن تكون مضافة ، وفي هذه الحالة تتطلب تقديراً ؛ أي من جمع شيء ما قل منه خير ممّا كثر ، ولكن ليس هنالك من فارق في المعنى .